أبي هلال العسكري

2

الصناعتين ، الكتابة والشعر

والقرشي الصريح « 1 » ألّا يعرف إعجاز كتاب اللّه تعالى إلّا من الجهة التي يعرفه منها الزّنجى « 2 » والنّبطى « 3 » ، أو أن يستدلّ عليه بما استدلّ به الجاهل الغبىّ . فينبغي من هذه الجهة أن يقدّم اقتباس هذا العلم على سائر العلوم بعد توحيد اللّه تعالى ومعرفة عدله والتصديق بوعده ووعيده على ما ذكرنا ؛ إذ كانت المعرفة بصحة النبوة تتلو المعرفة باللّه جل اسمه . ولهذا العلم بعد ذلك فضائل مشهورة ، ومناقب معروفة ؛ منها أنّ صاحب العربية إذا أخلّ بطلبه ، وفرّط في التماسه ، ففاتته فضيلته ، وعلقت به رذيلة فوته ، عفّى على جميع محاسنه ، وعمّى « 4 » سائر فضائله ؛ لأنه إذا لم يفرق بين كلام جيّد ، وآخر ردى ؛ ولفظ حسن ، وآخر قبيح ؛ وشعر نادر ، وآخر بارد ، بان جهله ، وظهر نقصه . وهو أيضا إذا أراد أن يصنع قصيدة ، أو ينشئ رسالة - وقد فاته هذا العلم - مزج الصّفو بالكدر ، وخلط الغرر بالعرر « 5 » ، واستعمل الوحشي العكر ؛ فجعل نفسه مهزأة « 6 » للجاهل ، وعبرة للعاقل ؛ كما فعل ابن جحدر في قوله : حلفت بما أرقلت حوله * همرجلة خلقها شيظم « 7 » وما شبرقت من تنوفيّة * بها من وحى الجنّ زيزيم « 8 » وأنشده ابن الأعرابي ، فقال : إن كنت كاذبا فاللّه حسيبك . وكما ترجم بعضهم كتابه إلى بعض الرؤساء : مكركسة تربوتا ومحبوسة بسرّيتا « 9 » ؛

--> ( 1 ) الصريح : الخالص النسب . ( 2 ) الزنجي ، بفتح الزاي وكسرها : واحد الزنوج وهم جيل من السودان . ( 3 ) النبطي ؛ واحد النبط بفتحتين وهم جيل من العجم كانوا ينزلون بالبطائح بين العراقين . ( 4 ) عمى : أخفى . والسائر : الباقي . ( 5 ) الغرة : النفيس من كل شيء ، والعرة : القذر . ( 6 ) هزؤا . ( 7 ) أرقلت : أسرعت . والهمرجلة : الناقة . والشيظم : الطويل الجسيم الفتىّ من الإبل والخيل والناس . ( 8 ) شبرقت . الشبرقة : عدو الدابة وخدا . والتنوفية : المفازة والأرض الواسعة البعيدة الأطراف والوحي : الصوت الخفي . وزيزيم : صوت الجن . ( 9 ) كذا في ط ، وفي العبارة من غير نقط ، وفي ب « مكركرسة بربويا ومحبوسة سرينا » .